الفلبين ومسيرة الجهاد ضد الإحتلال الصليبي

عند احتلال الإسبان للجزر الشمالية للفليبين، كان للمسلمين عدة ممالك قوية في الجنوب أهمها سلطنة ديبتروان، وسلطنة صولو، و ماجنيدنا، و بويان، تلك الممالك هي التي قادت الجهاد الإسلامي ضد الاحتلال الاسباني، وبرز العديد من قادة الجهاد الإسلامي مثل البطل المقدام ديبتروان قدرات الذي دوخ الاسبان وقهرهم في معارك كثيرة، ومنهم السلطان نصر الدين سلطان المسلمين في جزيرة صولو، والذي قاد الجهاد الإسلامي من داخل الغابات، وأصبح أسطورة البلاد والشبح الذي بث الرعب في نفوس الأسبان لفترات طويلة.
استمرت المقاومة الإسلامية في الفليبين ضد الاحتلال الأسباني طيلة فترة وجود ذلك الاحتلال، أي مايزيد عن ثلاثة قرون، أخذت خلالها المقاومة الإسلامية هناك شكل الملحمة التاريخية الرائعة ومرت بست مراحل لا تكاد تنتهي الحروب من واحدة حتى تبدأ الثانية، .
وخلال تلك الحروب كلها استخدم الأسبان كل أنواع الأسلحة المادية والمعنوية، وأظهروا صليبية مقيتة وصبغوها بصفة دينية كاملة، وتعاون معهم في بعض مراحلها الهولنديون على الرغم من العداوة التاريخية الشديدة بين الأسبان والهولنديين، ولكنه نداء الدين ووحدة الصليب الذي جعلهم يتناسون أحقادهم ويتحالفون ضد المسلمين.
وقد أبدى المسلمون في الفليبين مقاومة باسلة ورائعة صارت مضرب الأمثال في جنوب شرق آسيا كله، فلقد حارب المسلمون من بيت إلى بيت، فلما أحرقوا منازلهم انتقلوا إلى الغابات، فلما أحرقوا الغابات عادوا ليبنوا بيوتًا جديدة من الأغصان وظلوا يقاتلون بمنتهى الشراسة على الرغم من وحشية الاحتلال الأسباني مع مواجهة المقاومة، حتى أنهم أجبروا الحاكم العام الأسباني في الفليبين على الفرار إلى هونج كونج سنة 1895م وهو ما جعل الأسبان يفكرون جديًا في كيفية الخروج من المأزق الفليبيني المرعب ولكن بصورة تحفظ لهم كرامتهم التي تمرمغت في الوحل على يد المقاومة الإسلامية هناك.
بعد تلك الضربات الموجعة، شعر الأسبان بعجزهم الكبير عن مواجهة المقاومة الإسلامية في الفليبين، وبحثوا عن مخرج لأزمتهم فقرروا الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت وقتها قوة جديدة وناشئة على بيع جزر الفليبين وكوبا وبورتوريكو وهي المستعمرات الأسبانية، بمبلغ خمسة ملايين دولار، وذلك بعد عدة معارك استعراضية بين الأسبان والأمريكان، ليظهر الأمريكان بصورة المنقذ والمحرر لجزر الفليبين من الاحتلال الأسباني، وبالفعل انطلت الخدعة على سكان البلاد ورحبوا بالأمريكان وساعدوهم بقوة ضد الأسبان، وأعلنت أسبانيا على لسان الحاكم العام للفليبين الجنرال جوينالدو استقلال الفليبين عن أسبانيا سنة 1316هجرية
ولكن سرعان ما اكتشف أهل البلاد الخديعة إذ أعلن الاسبان انسحابهم من الجزر، والأمريكان ما زالوا على أراضيها، فطلب مسلموا الفليبين من الأمريكان المغادرة فرفضوا بشدة وأعلنوا ضم الفليبين للولايات المتحدة الأمريكية، فثار المسلمون لذلك وحملوا سلاحهم مرة أخرى ضد الأمريكان الذين ساروا على نفس الخط الاسباني في محاربة الممالك الإسلامية، وعزل مناطق المسلمين وفرض سياج من الجهل والتخلف والفقر على أبناء الإسلام هناك، في حين تم تقريب نصارى البلاد واحتضانهم ورفع مستوى المعيشة لأبنائهم وذلك للهدف البعيد وهو تسليم البلاد لتلك الطبقة النصرانية الموالية للاحتلال الأجنبي.
استمر الاحتلال الأمريكي الصليبي للفليبين قرابة النصف قرن استطاع خلالها أن يحقق ما عجز عنه الأسبان في ثلاثة قرون باستخدام الخديعة والمكر والخداع.
وحصلت الفليبين على استقلالها الظاهري من الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1946م بعد أن سلمت أمريكا الحكم لحلفائهم النصارى وتأكدت من ولائهم التام للسياسة الأمريكية، وأيضًا تركت لهم مهمة محاربة الوجود الإسلامي في البلاد، وبالفعل بدأت الحكومة الصليبية في الفليبين تمارس سياسة البطش والإرهاب ضد مسلمي البلاد بصورة منهجية، أبرزها : تشجيع النصارى على الاستيطان في مناطق المسلمين وتمليكهم لأراضيهم، مع حرمان المسلمين من المشاركة في المشاريع الهامة والحيوية في البلاد.، و إغراق المناطق الإسلامية بأعداد ضخمة من قوات الأمن لمراقبة تحركات المسلمين وقمع أي ثورة يقوموا بها ضد مظالم الحكومة الصليبية.و تشكيل العصابات الإجرامية والمنظمات الإرهابية التي تعمل على إنهاء الوجود الإسلامي في الفليبين وإجبار المسلمين على التنصر أو القتل
ولقد تشكلت عدة عصابات إرهابية كبيرة مثل منظمة «إيلاجا» وقد أشرف عليها الرئيس الفليبيني الهالك ماركوس، وهي مزودة بأحدث الأسلحة، ويبلغ عدد أفرادها مائة ألف مجرم وقاتل مأجور، وعصابة الفئران وكانت تهدف لإحراق المزارع وتدمير الأملاك، وعصابة الأخطبوط وتهدف لتصفية قادة المسلمين واغتيال الشباب والعلماء والشيوخ، ولقد قامت تلك التشكيلات الإرهابية والإجرامية بمجازر مروعة بحق المسلمين يندى لها جبين كل حر في العالم المعاصر.
ومازاد من الوضع سوءا استدراج المسلمين لصدامات مفتعلة لخلق الذرائع اللازمة للقضاء عليهم وجر المسلمين لمعركة هم غير مستعدين لها، وكانت الخطة الصليبية تقضي بأن يتم الاستيلاء على أراضي المسلمين في البداية لجرهم إلى القتال وهم غير مستعدين، في حين يتهيؤ النصارى للقتال والاستعداد، وبالفعل تم زحف النصارى من الشمال إلى الجنوب حيث مناطق المسلمين وذلك سنة ـ 1970م، وبدأت عمليات الشغب وحرق المزارع وإلقاء السموم في الآبار وقتل الحيوانات، كما قامت حوادث الخطف والاغتيال، وأدى ذلك القتال لتشريد أكثر من ستين ألف أسرة مسلمة في الجبال والغابات.
وعلى الرغم من ضخامة وكثافة الهجوم الصليبي على مسلمي الفليبين إلا أن المسلمين الذين جاهدوا الاحتلال الأسباني ثم الأمريكي لقرون زادوا استمساكًا بدينهم وإصرارًا على حقوقهم، وتكونت في بداية الأمر منظمة إسلامية لقيادة الكفاح الإسلامي ضد العدوان الصليبي وهي جبهة اتحاد الهيئات الإسلامية وتعرف اختصارًا "بانسا" بزعامة الدكتور أحمد ألونتو، ثم تكون الذراع العسكري لتلك الجبهة باسم «الجبهة الوطنية لتحرير مورو» بزعامة نورميسوري وسلامات..
تحصن المسلمون بأعداد كبيرة في بلدة «بابا لومان» وطالبوا بفصل المناطق الإسلامية في جزر مينداناو وصولو وبالاوان، وتدخلت منظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن أصر نصارى الفليبين وزعيمهم ماركوس على مواصلة قمع المسلمين، وظل القتال بين الطرفين عدة سنوات أبدى فيه المسلمون ضراوة في القتال والمقاومة أجبرت الحكومة الصليبية في الفليبين على الجلوس على مائدة المفاوضات وذلك سنة 1977 للميلاد ـ بعاصمة الجماهيرية الليبية طرابلس وبرعاية الرئيس الليبي معمر القذافي، وتم الاتفاق على بنود معاهدة السلام بين الطرفين كانت في مجملها لصالح المسلمين في الفليبين.

لم يكن في نية الحكومة الصليبية في مانيلا الوفاء بأي بند من بنود معاهدة السلام، وإنما كانت مناورة لالتقاط الأنفاس والتعرف على قادة المسلمين الحقيقيين ومواطن قوة المقاومة، وبالفعل لم تمض سوى عدة شهور حتى نقضت الحكومة الصليبية في منانيلا تعاهداتها كلها وهجمت بقوات ضخمة على جزيرة ميندانا بعد سنة من المعاهدةـ، وأوقعت عدة مجازر مروعة في بولوان وكوتاباتو، وقرية سوباه بوكول، وكان الهجوم من كل الاتجاهات برًا وبحرًا وجوًا، وسقط الضحايا بالآلاف، وكان القصف بأسلحة محرمة دوليًا، وكانت القوات الصليبية تتعمد استهداف المساجد والجوامع والكتاتيب لطمس معالم الوجود الإسلامي، غير أن قوات حركة تحرير مورو استطاعت أن تصد الهجوم الحكومي وتكبده خسائر كبيرة من بينها قائد الحملة الصليبية نفسه الجنرال المجرم (باتيستا)، وبرز في المقاومة الإسلامية القائد البطل (عثمان صالح) الذي أرهق الصليبيين بتكتيكاته القتالية الذكية حتى أن الطاغية ماركوس قد وضع مكافأة تقدر بمائة ألف دولار لمن يأتي بعثمان صالح حيًا أو ميتًا، وقد حاولت منظمة المؤتمر الإسلامي وبعض الدول الإسلامية الاحتجاج على المجازر التي ترتكبها الحكومة الصليبية بحق مسلمي الفليبين، ولكن ذهبت كلها أدراج الرياح.

وعلى الرغم من رحيل ماركوس الصليبي في سنة 1986م، وتظاهر الحكومة الجديدة بإنصاف المسلمين وإعطائهم حقوقهم السليبة، إلا إن شيئًا لم يتغير على أرض الواقع، وما زالت فصول الملحمة قائمة.

يذكر ان الفليبين تقع في جنوب شرق آسيا على شكل أرخبيل يضم أكثر من سبعة آلاف جزيرة، تتفاوت في مساحتها تفاوتًا كبيرًا، ومعظمها غير مأهول بالسكان، وتعتبر الفليبين جزءًا من أرخبيل الملايو الذي يضم ثلاثة دول، وهي: إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وهي الدول العامرة بالخيرات والثروات الطبيعية ممَّا جلب عليها أطماع الدول الأوروبية خلال القرون الماضية....

2017/03/07
5 مشاهدات
عاجل
لمتابعة أخبار نداء الإسلام: