الأحواز.. ألمٌ وأنين في ظلِّ صمتٍ عالمي

إقليمٌ شامخٌ أبي, يعدُّ من أعرق الأقاليم العربية, و يمتدُّ على مساحةٍ طولها ثلاثمئةِ ألف كيلومتر مربع , يعيش فيه أكثرُ من ثمانية ملايين نسمة, سبعون في المئة منهم يتبعون المذهب السني الصحيح, كما ويطلُّ الإقليم على الخليجِ العربي ويقع إلى الجنوب الشرقي من العراق ويتصل معه اتصالاً طبيعياً عبر السهول الرسوبية وشط العرب, و يفصله عن إيران حاجزٌ طبيعي متمثلٌ بسلسلة جبال زاغروس, إنه إقليمُ الأحواز العربي

هذا الإقليم المطلُّ على الخليجِ العربي لم يكتفي بكونِه موقعاً استراتيجياً هاماً فقط , بل إنه يعوم على بحرٍ من الخيرات, حيثُ تبلغُ كمية النفطِ فيه قرابةَ التسعينَ في المئة من إجمالي نفط إيران, ومياهه الوفيرة تشكِّل نصف المخزون المائي في إيران, كلُّ ذلك وغيره جعلَ الأحواز محوراً للأطماع الاستعمارية حوله, وبالأخص النظام الإيراني الذي سخَّر منذ بدايةِ عامِ ألفٍ وتسعمئة وخمسٍ وعشرين جميع الطرقِ المتوفرة لديه من أجلِ السيطرةِ على خيراته وبدعمٍ كاملٍ من الحكومةِ البريطانية, فلم يبخل بنوعٍ من الأساليب القمعية إلا واتخذه مطيةً لتحقيقِ مآربه الاستعمارية ضدَّ العرب السنة في الأحواز, ولم يتوانى عن إبادة العشرات من أجلِ أن يحصل على خيراتِ هذه الأرض لتنعم بلادُه على حساب العرب الاحواز, حتى أن النظام الايراني قد لجأ إلى اختلاق أكاذيبَ عن أحقيةِ الفرس في احتلال هذا الاقليم, فهدَّم الآثار الاحوازية ومحى الهوية العربية فيه, ولجأ إلى توطين الفرس في الأحياء الأحوازية, وعلى الرغمِ من أنَّ الشعب الأحوازي له تاريخٌ عريق وماضٍ طويل مع العربية يعود إلى قبائل معروفة كربيعة وطيّء وغيرها من القبائل العربية التي سكنت الأحواز , وعلى الرغمِ من أنهم لم يألفوا لغةً غيرَها, لم تتوانى الحكومةُ الإيرانيةُ أبداً عن ضربِ لغتهم الرئيسية "ألا وهي العربية" واستبدالها بلغةٍ أخرى لم يألفوها, حيثُ لجأت إلى فرضِ لغتها الفارسية وإرغامِ الشعب الأحوازي على تعلمها, وذلك دون أدنى اعتبارٍ لحقوق هذا الشعبِ العربي الأبي, حيثُ جعلت لغتها الدخيلة قالباً عاماً للإقليم, وفرضت على الجميعِ تعلُّمها , بل وحرمت من لايتكلم بالفارسية من جميع الحقوقِ و الأعمال, واتُّخذت ضده اجراءاتٍ قانونية, ما أجبرَ عدداً من السكان على الهجرة من موطنهم والخروج من الأحواز إلى مناطق أخرى...

في ذلك الوقت لم يكن المسلمون الأحواز في غفلةٍ عمايحصُل, بل كانوا ينتظرون الفرصةَ السانحة وفتيلَ الشعلة للانفجارِ في وجه هذا الاحتلالِ المستبد, فقامت انتفاضاتٌ شعبية , قوبلت جميعها بالعنفِ المباشر من قبل إيران, فلم تترك أسلوباً ملتوياً إلا وسارت عليه لقمعِها, من قتلٍ لعشرات الرجال والأطفال واغتصابٍ للنساء المسلمات, وتذكرُ الرواياتُ عن الناجين أن معسكراتِ التعذيب كانت تبيحُ لجنودِ الملالي فعل الأفاعيل بالمعتقلين المسلمين, فكانوا في وضعٍ يبكي الصخر لشدة قساوته..
بعدَ هذا الاضطهاد والظلم الشديد بدأت حميَّةُ الإسلام تشتعلُ بين شبابِ الأحواز, فقاموا بحملِ السلاح و بدأوا بتشكيلاتٍ منظمة لضرب الحامياتِ الإيرانية المحيطةِ بالأحواز, فقتلوا عدداً من الضباطِ البارزين وحرروا عدة كتائب عسكرية, هذا ما دفعَ الحكومة إلى استقدام آلتها المميتة وجنودها الظُّلَّام لبدأِ الزحفِ باتجاه الأحواز, ولكن المسلمين كانوا كالقلعةِ الصامدةِ في وجههم فأرغموا أنف الحكومةِ الايرانية بصمودهم, و بحكم طبيعة الإقليم وجباله الوعرة والصعبة شكَّلت التضاريس عائقاً كبيراً أمام الجيشِ الإيراني لدخولها , ما دفع الحكومةَ لاستخدامِ الطائرات كسياسةٍ بديلة عن التدخل البري, فقصفت الطائراتُ المنازل وأحرقت المزارع ولم تترك رجلاً ولاامرأةً ولا طفلاً إلا ونال من نصيبِ حممها ..

في ظلّ ذلك لم يكن الثوار ليصمدوا أمام الهجماتِ الإيرانية, فتخاذلُ العالمِ عن نصرتهم ودعمهم أدى لدخول المحتلِّ الإيراني إلى الأحواز, فارتكب مجازرَ شنيعةً ضمنَ مشاهدَ خلَّدها التاريخ كوصمةِ عارٍ في جبين الإنسانية, فكما هي طبيعةُ الطغاة في هذا العصر من البديهي ان تقومَ السلطات الفارسية بعد دخولها إلى الأحواز باستباحتها بالكامل وارتكاب عشراتِ المجازر, ولكنَّ مايلفت الانتباه إحدى المجازر المريرة التي وصفت بأنها الأبشع في تاريخ الانسانية والتي تتمثلُ بقيام الحكومةُ الإيرانية بترحيل المئاتِ من الأهالي المسلمين الذين بلغ عددُهم أكثرَ من ألفٍ و خمسمئةِ مواطن أحوازي الى شمال إيران سيراً على الاقدام وذلك تحت تهديد السلاح, فعبثت بهم خلال الطريق وأعدمت العشرات منهم , ومات معظمهم بسبب الجوعِ والإنهاك والتعب والبرد, فلم يصل منهم إلى طهران سوى أربعين مسلماً وزعتهم على القرى النائية, في إطارٍ إجراميٍ بشع وإعدامٍ جماعي تتحدثُ عنه الأجيال إلى يومنا هذا , والأنكى من ذلك كله والأمرّ صمتُ العالم المطبق والخذلان المؤسف أثناءَ حملاتِ التطهير تلك, حيث أصبحَ المسلمون الأحواز بين مطرقةِ إيران وسندانِ العالم الذي سكت عن حقوقهم ....

2017/03/04
20 مشاهدة
عاجل
لمتابعة أخبار نداء الإسلام: