"شنقيط" مدينة أثرية نمت على فيضٍ من العلوم والعراقة الإسلامية

على بعد خمسمائة وستة عشر كيلومتراً من العاصمة نواكشوط في أقصى الشمال الموريتاني، تحتضن سلسلة جبال آدرار الشامخة بين جوانحها وبين كثبانها الرملية الممتدة مدّ البصر، مدينة شنقيط الأثرية, ورغم المناخ الصحراوي القاسي، آثر أهل شنقيط أن يبقوا في مدينتهم لحماية تراثهم وكتبهم التي بدأت صفحاتها تتلاشى وتتحول إلى غبار في ظل غياب تام لأدنى وسائل الحفظ والحماية, ومع ذلك لم يتبقى من هذه المكتبات التي كانت تفوق الثلاثين، والمخطوطات القديمة التي تجاوز عددها الآلاف قبل نصف قرن من الزمن، إلا خمس مكتبات تحاول العائلات جهدها لنقل هذا الإرث والكنز الأدبي للأجيال القادمة، بعد أن دمجتها اليونسكو ضمن المدن التاريخية الواجبة الحماية, وتغطي المخطوطات الأثرية التي كتب قسم كبير منها على جلود الغزلان وأحيطت بغلاف من جلد الماعز، بتلك المكتبات فترة زمنية تمتد من القرنين الثالث إلى القرن الرابع عشر هجرياً، وتتناول جميع العلوم والفنون بما في ذلك علوم القرآن والحديث وعلم الفلك والنحو وعلوم اللغة والشعر، ومن بينها أقدم نصوص قرآنية يعود تاريخها إلى القرن التاسع، فقد كانت المدينة في الماضي حلقة للوصل ومعبرًا للتجارة بين مشارق الأرض ومغاربها, وكثيرٌ من المخطوطات الأثرية موجودة في بيوت من الطين على وشك السقوط والرمال تحاصرها، وإلى شنقيط يُنسب كبار العلماء الشناقطة الذين ملأ صيتهم العالم باستظهار وحفظ العلوم, فأبدعوا في ميادين العقيدة الإسلامية واللغة والفقه والرياضيات والمنطق، و تعتبر مدينة شنقيط منارة شامخة ورباطاً مقدساً مع حفظ علمائها لنصوص الشريعة صدراً, لكن علومهم كانت كمن يراوح في مكانه لا يبدعون فيها وإنما يحفظونها فقط ليتوارثها الأجيال من بعدهم..
وقد كانت مدينة شنقيط مقصد الحجاج الذي يتجمعون فيها ثم ينطلقون في قافلة واحدة نحو مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ورغم عاديات الزمن والظروف المناخية الصعبة والعزلة القاتلة، ما تزال مدينة شنقيط الحالية حية تصارع بعد أن أكلت الرمال المدينة القديمة التي استمرت قروناً من الزمن , وكانت تسمى "آبير" ومازالت آثارها باقية تحكي قصتها, فالأبنية في شنقيط تحدّثك بماض المدينة العريق، ويحتل المسجد الكبير في شنقيط مرتبةَ المسجد العتيق للمدينة, حيث ارتكز في وسط المدينة حتى يؤمَّه جميع المصلين، وحاز قمة الجمال لما فيه من عناصر تراثية قيمة تتجلى في صومعته الشاهقة ذات العشرة أمتار التي تعتبر رمزاً لدولة موريتانيا, وعلى الرغم من حداثة العصر يغلب على أهل شنقيط الطابع البدوي, وقد بدأَت شنقيط تختلف عما كانت عليه سابقاً من العظمة والتميز سواء في العلوم الدينية أو الدنيوية, فآثارها الباقية وتراثها وعاداتها لا يعني أن يظلَّ الناس على ماهم عليه منذ ذلك الحين وحتى وقتنا الحاضر, حيث أنَّ الكثير من العلماء الذين خرجوا من شنقيط وجدوا أنَّ العلوم في البلدان الأخرى الحديثة تتسم بالغزارة والدقة أكثر بكثيرٍ عما ألفوه في شنقيط, ورغم ما يتناقله الناس من تميز شنقيط ولغة أهلها الفصيحة واعتنائهم بالأدب, لكنَّ ذلك كان على حساب الأخلاق والدين, فالدين يضبطه شيء واحد هناك وهو العادة, فأهل العلم والطلاب وأئمة المساجد لافرق بينهم وبين العامة, والطبائع والأخلاق والآداب العامة والتفكير والعادات يشتركون فيها جميعاً إلا القليل , وظهورُ الفساد وغياب الشرع والالتزام ذهبا ببعض أهلها نتيجة ضعف العلم الشرعي, حيث أنَّ التفقه عندهم قلَّ كثيراً فلا إلمام لديهم بالنوازل والقضايا الفقيهة المعاصرة, وكثيرٌ من طلاب الموريتان بل وأغلب المشايخ لا يرجعون للشروح ولا الحواشي عادة بل يكتفون بالقليل من التعليقات التي يذكرها الشيخ إملاء, ومن ثم يعكف على حفظها إن حفظ بفهم أو بدون فهم, ويعكف عليها تدريساً طيلة عمره, ومن ثم أبعدوا أنفسهم عن كتب القدامى بشروحها وحواشيها وتقريراتها شيئاً فشيئاً حتى صارت أغلبها مهجورة في الدرس والمذاكرة.,ولقد وجدنا ذلك بعد أن تعمقنا في البحث عن شنقيط وشهادة من زارها وروى الأعاجيب من هناك حيث قال أحدهم أن غالبية الناس لا تعلم ما وصل إليه العالم من تقدمٍ في الصناعة والبناء .
وختاماً نستنتج مما ذكرنا أنَّ الراوية التي يتم تناقلها عن كون شنقيط منبعاً للعلماء في وقتنا الحاضر غيرُ دقيقة, ولكننا لا ننكر وجود علماءٍ عظام وكبار موجودين فيمن عاصر نهوضها من العلماء منذ مئات السنين لكنَّهم قلَّوا في وقتنا الحاضر, وإن وجدوا فإنَّ معظمهم قد درسَ خارج شنقيط واعتنى بعلومه في أقطار العالم الواسع, فالطابع الفطري الذي نشأ عليه الناس وعدمُ اتصالهم بكثير من أقطار العالم جعلهم هناك يجهلون كثيراً من أمور دينهم, مما أدى لالتحاق بعضهم بركب العالم المتحضر والأخذ بعلوم الشريعة المتنوعة واللغة والأدب..
وعلى الرغم من كلِّ ذلك لاننكر وجود العلماء في شنقيط, لكننا في الوقت ذاته لا نذكرها إلا بشكلٍ منصف, فلا ننعتُها بالكمال ولا بالسوء المطلق.

2017/05/01
21 مشاهدة
عاجل
لمتابعة أخبار نداء الإسلام: