وحدةُ مسلمي ساحل العاج حاربت شرذمة فرنسا

يَبلغ عدد سكان ساحل العاج وفق إحصائيات عام 2003م قرابة 16 مليون نسمة، وكشأن كل الإحصائيات تختلف الأرقام حول نسب السكان؛ إذ تتراوح تقديرات عدد المسلمين فيها بحدو الـ 60% أو 65%؛ (أي قرابة 10 ملايين نسمة)، يَدين معظمهم بالمذهب المالكي كشأن معظم دول غرب إفريقيا، في حين تتراوح نسبة النصارى بين 20% و 25% معظمهم كاثوليك، بينما يشكِّل الوثنيون النسبة الباقية, ولقد لعب الاستعمار الفرنسي منذ قدومه للبلاد أواخِر القرن التاسع عشر، دورًا هامًّا في تكريس هذه الفوارق؛ فقام بإخضاع البلاد لنظام الحكم المباشر، وعمل على التمييز بين المواطنين على أساس الدين؛ فسمح لأبناء القبائل الوثنية والمسيحية باستكمال تعليمهم في فرنسا، وفي المقابل حُرم المسلمون من شغل الوظائف الهامة في البلاد على الرغم من كونهم أغلبيةً ساحقة، بل كانت تكافئ كل من يرتدُّ عن دينه من المسلمين بمنحه الجنسية الفرنسية، وبذلك ساهمت فرنسا في تمكين الأقلية الكاثوليكية من السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، كما سعَت لطمس الهُوية الثقافية للأغلبية المسلمة، من خلال جعل الفرنسية هي اللغة الرسمية، كما حظرت لغة الماندي التي كانت لغة الإسلام في غرب إفريقيا، فضلاً عن مَنعِها تدريس الإسلام في المدارس, ثم نصَّبت فرنسا رئيس الحزب الديمقراطي في البلاد بوانييه رئيساً لساحل العاج, ولقد كانت لنشأة بوانييه في المدارس التبشيرية بصماتُها الواضحة على سياسته؛ فلقد أقسم أمام الفاتيكان على جعل بلاده قاطبةً تحت راية الصليب، وعمد إلى إشاعة فِكرة تفوق الكاثوليكية على الديانة الإسلامية، وقام بتسخير المال العام لخِدمة الكنيسة والمدارس الكاثوليكية, كما أعلن أيام الأعياد الكاثوليكية أيام عطلات رسمية، في حين رفض الاعتراف بأعياد المسلمين، وهو أمر غير مسموح به حتى اليوم, وبالرغم من انحياز بوانييه لديانته الكاثوليكية، إلا أنه لم يضطهد المسلمين، بمعنى أنه لم يَرتكِب ضدهم أعمال عنف كما حدث من بعده، بل سمح لهم بالعمل، خاصة في مجال زراعة الكاكاو التي تشتهر بها ساحل العاج في الشمال، ولقد تحسَّن الوضع السياسي للمسلمين مع بداية عصر الانفتاح السياسي أوائل التسعينيات، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من ناحية، ومُظاهَرات الطلبة المنادية بالأخذ بمبدأ التعدُّدية من ناحية ثانية، وبالفعل تمَّ إجراء أول انتخابات رئاسية تعدُّدية في البلاد، وكانت المفاجأة أن المرشَّح الرئيس ضد بوانييه كان كاثوليكيًّا أيضًا ، ومِن ثَمَّ قام باستحداث منصب رئيس الحكومة في ساحل العاج، وعهد به إلى شخصية مُسلِمة من الشمال، هي الحسن واترا رئيس حزب التجمع الجمهوري، الذي يَنتمي إلى قبيلة الجيولا, ولقد ساهمت هذه الخطوة في إيجاد حالة من التوازن النسبي بين المسيحيين والمسلمين، وإن كانت تسبَّبت بطريقة غير مُباشِرة في الأزمات الطاحنة التي شهدتها البلاد بعد رحيل بوانييه؛ حيث طالب المسلمون في الاحتفاظ بهذه المكاسِب، في الوقت الذي أنكر عليهم رؤساء البلاد بدءًا من بيديه ذلك، وبدأت منذ ذلك الحين عملية الاضطهاد المتعمَّد للمسلمين, ويُمكن القول: إنه بانتِهاء عصر بوانييه انتهى العصر الذهبي بالنسبة للمسلمين، وبدأ عصر الاضطهاد المتعمَّد لهم، والذي تمثَّل في عملية تصفيتِهم جسديًّا وسياسيًّا من الأنظمة المختلفة أيًّا كان شكلها, وكان من نتيجة ذلك أن عرفت البلاد الانقلابات العسكرية بعدما كانت واحة للاستقرار في الإقليم وأصبحت الانتخابات مقيدة بالنصارى, ولقد بدأ كونان بيديه حكمه باستكمال فترة بوانييه في ساحل العاج , ومنذ ذلك الحين عمل على تصفية واضطهاد مسلمي الشمال من خلال عدة إجراءات، كان أهمها:استبعاد الضباط المسلمين من الجيش، وكذلك من الحزب الحاكم؛ لكي لا يُشكِّلوا جبهة معارضة بالنسبة لحكمه, ولقد شهدت البلاد في عهده تدهورًا شديدًا في الأوضاع الاقتصادية، مع بداية تطبيق برامج التكيُّف الهيكلي، وانتشار الفساد بصورة كبيرة؛ وانتهت فترة حكمه بانقلاب عسكري من قبل ضابطٍ نصراني يدعى "جباجبو" بقتل بانييه, ولجأ بعد استلامه الحكم بفترة قليلة إلى قمع المسلمين سياسيًّا، ثم سعى إلى تصفيتهم جسديًّا من خلال تشكيل ميليشيات عسكرية موالية له عُرفت باسم "كتائب الموت" ولقد كان الهدف الأساسي لهذه الكتائب: هو تصفية خصومه الشماليين المسلمين, وهنا شهدت البلاد حربًا دينيَّة بين أقلية حاكمة ظالمة، وأغلبية مُضطهَدة؛ فقامت كتائب الموت بذبح المسلمين، وحَرقِ مساجدهم، وكادت تظفر بالمرشح الإسلامي لحزب واترا لولا هروبه خارج البلاد، كما قام جباجبو بفرض حَظر تجول في الشمال؛ خوفًا من حدوث تمرُّد ضده، لكن ما كان يَخشاه حدث بالفعل، ولكن من بعض الضباط المسلمين في الجيش الذين قاموا في الأسبوع الأول من يناير 2001 بالسيطرة على مبنى الإذاعة والتليفزيون، وأذاعوا بيانًا يؤكد إسقاط النظام، لكن جباجبو تمكن من سحق الإنقلابيين , ثم وقع انقلابٌ آخر في عام 2002 في ساحل العاج، وذلك بعد قرار جباجبو تسريح أكثر من 800 جندي وصف ضابط من الجيش معظمهم من مسلمي الشمال, مما دفع هؤلاء إلى الانقلاب عليه، ونجَحوا في زمن قياسي في السيطرة على نصف مساحة البلاد,و يُلاحَظ أن فرنسا كانت حريصة منذ بداية تدهور الأوضاع في البلاد بعد رحيل الرئيس بوانييه على عدم التورط العسكري، فهي حريصة على عدم التورط في أي صراع داخلي؛ خوفًا على رعاياها الذين يتراوح عددهم بين 20: 40 ألفًا في البلاد، ويلاحظ خلال ذلك أن معاناة المسلمين مستمرة في ساحل العاج دون ضجيج، ولولا الأحداث الأخيرة ما ظهرت القضية على السطح, و أن المجتمع الدولي لم يكن مُتحمِّسًا للتدخل؛ بسبب عدم وجود مصالح للقوى الكبرى في التدخل، خاصة الولايات المتحدة، ولما حدث التدخل كانت العقوبة من نصيب الظالم والمظلوم, وقد أثبتت الأزمة في ساحل العاج صلابة المسلمين في التمسُّك بحقوقهم، والدفاع عنها، كما أثبتت تسامحهم مع غيرهم عند التمكين، كما أنهم قبلوا بوجود نصارى معهم كالأمين العام لـحزب واترا وهو امرأة نصرانية، لكن يبقى في النهاية القول: إن مسلمي ساحل العاج يضربون مثلاً رائعًا في الدفاع عن الحق، حتى وإن كلفهم ذلك الغالي والنفيس.

منذ 3 أيام
34 مشاهدة
عاجل
لمتابعة أخبار نداء الإسلام: