تُربةٌ مسلمة في أوروبا الشرقية تتواتر عليها الأجيال

في غبراء سهلية يحيط بها الجبال والتلال, تقع جمهورية تتارستان المسلمة, وهي جمهورية فريدة من بين الجمهوريات الأخرى التابعة لروسيا الاتحادية, وتقبع شرقي روسيا الأوربية وتتبع لها إدارياً, وغالبية شعب هذه الجمهورية يُميزون بأنهم من التتار, وهم شعبةٌ تعود أصولهم إلى الأمة التركية ، وينتشرون في بقاع أخرى غير تتاريا ، فتوجد منهم جماعات في غربي سيبريا ، يشكلون معظم سكان شبه جزيرة القرم ، غير أن السوفييت أكرهوا هؤلاء على الهجرة وألغوا جمهورياتهم، ومع ذيوع الإسلام في تتاريا وصل عدد المسلمين فيها إلى حوالي ثلاثة ملاين ونصف ، يشكل التتار أغلبيتهم ، ويعتنقون جميعاً الإسلام الصحيح ، ولقد هجَّر الروس إليها أعداداً من روسيا الأوروبية للتقليل من الأغلبية الإسلامية فيها، والتتار عموماً يشكلون القومية الخامسة في الترتيب بين القوميات في الاتحاد السوفيتي، وينتشرون في مناطق متعددة من البلاد، ويصل عددهم حوالي ستة ملايين ونصف مليون نسمة ، وتصل النسبة المئوية للمسلمين في تتاريا إلى 65% تقريباً.
ولقد أدرك الإسلام هذه المنطقة في بداية القرن الرابع الهجري ، عندما وصل التجار المسلمون إلى حوض نهر الفولجا ، فأسلم على يدهم شعب البلغار ، وأرسل إليهم الخليفة العباسي المقتدر من يفقههم في الدين ، وكان الإسلام يسود منطقة الحوض الأدنى من نهر الفولجا ، حتى أنه تخطَّاها إلى منطقة القرم في شمال البحر الأسود ، غير أن الدفعة الأساسية للدعوة الإسلامية في حوض الفولجا وصلت بإسلام التتار ، فعندما احتلها قياصرة روسيا في القرن السادس عشر, كان الإسلام رائِجاً بين سكانها ، فاضطهدوا أهلها، وحاول الروس جذبهم إلى المسيحية بالقوة والقهر ولكنهم فشلوا ، ولقد بذلت الإمبراطورة كاترين الروسية جهوداً جبارة في هذا المجال في القرن الثامن عشر, وأمرتهم أن يظلوا على الدين المسيحي ، وطُبق هذا بالقوة على التتار المسلمين ولكنهم كانوا مسيحيين اسماً فقط ، ثم تخلصوا من هذا التعسف ، وظلوا على إسلامهم ، ولقد دونت أسماؤهم في السجلات المسيحية زوراً.... ووقف التتار في ثبات وقوة ضد المنصرين وحملاتهم ، وشهد القرن التاسع عشر الميلادي عدة قوانين تحد من انتشار الدعوة ، لدرجة أن القانون الجنائي الروسي كان يعاقب كل شخص يتسبب في تحويل مسيحي روسي إلى الإسلام بالأشغال الشاقة ، ورغم هذا انتشرت الدعوة بصورة سرية, ولما صدر قانون حرية التدين في روسيا القيصرية في القرن العشرين, حانت الفرص للدخول في الإسلام بصورة جماعية ، فلقد بلغ عدد من أعلنوا إسلامهم في سنة 1906 ثلاثة وخمسين ألفاً وفي سنة 1909 دخلت إحدى وتسعون أسرةً في الإسلام .وسارت الدعوة الإسلامية قدماً في حماسة بالغة, وكان كل مسلم داعية إلى دينه، ولقد خدم الدعوة الإسلامية هجرةُ جماعاتٍ ممن احترفوا الحياكة في القرى الإسلامية في زمن الشتاء، فاتَّبع هؤلاء الإسلام واعتنقوه ديناً، وعند عودتهم إلى قراهم تحولوا إلى دعاة لمن أُخفي عنه هذا الدين
وبعد أن استحوذ السوفييت على الحكم الروسي ، ظهرت بلايا الدهر، فواجه التتار حربًا قاسية على معتقداتهم، فأغلقت المدارس الإسلامية، ودمرت المكتبات والمطابع الإسلامية في قازان عاصمة تتاريا، وواجه المسلمون مواقف مؤلمة، حتى إذا استعر ت عاطفتهم مالوا إلى الثورة ضد الاضطهاد الديني الذي يمارس بحقهم، وقدموا العديد من الشهداء, ولقد رفض السوفييت وحدة الأراضي الإسلامية في تتارستان، بل أخذوا يجتهدون في تفتيتها إلى قوميات لسحق الوحدة الحاصلة بين الأراضي الإسلامية
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تبدَّلت الأمور وتغيرت, وعاد المسلمون إلى حريتهم نابذين وراءهم عقود القهر السابقة, فتنامت دعوات الانفتاح إلى الإسلام في جمهورية تتارستان, ونالت حرية المعتقد بعد ستةٍ وعشرين عاماً من ظلم الاتحاد السوفييتي.

2017/03/15
10 مشاهدات
عاجل
لمتابعة أخبار نداء الإسلام: