بورما واضطهادُ المسلمين داخلَ سجنٍ كبير

ولايةُ أراكان الواقعةُ جنوبَ شرقِ آسيا , والتي تتبعُ لدولة بورما ذاتِ الأكثريةِ البوذية , تعاني هذه الولاية منذُ أكثرِ من خمسين عاماً من نوائبِ الدَّهر , ومصائبِ القهر أشدَّ المعاناة , في ظلِّ سياسةٍ قمعية من قبلِ حكومةٍ ظالمة , يتزعَّهما جماعاتٌ بوذيةٌ متطرفة تديرُ تلك البلاد , والسببُ لذاكَ الاضطهاد بحقِّ سكانِ أراكان هو كونُهم من المسلمين , ما جعلهم عرضةً للقمعِ والقتلِ والتشريد من قبلِ نُظرائهم من البوذيين , فحياةُ المسلمين في أراكان مليئةٌ بالاضطهادِ والظُّلمِ , فلا يهنؤُ لأهلها عيشٌ , ولايطيبُ لهم خاطر

(مسلمو الروهينجا ), لعلَّ َبعضنا لم يسمع بهم من قبل , وإن سمعَ فلا يدركُ من صداهُ سوى القهرِ والمعاناة التي يعيشونَ في ظلِّها , إنهم مزيجٌ من أعراقٍ مختلفة , اجتمعوا وأسسوا بنيانهم القائمِ على الإسلام في ولايةِ أراكان
وقبلَ أن نسردَ لكم ما عاناهُ المسلمون خلالَ الحقبةِ الماضية , ولنثبت أنَّ جذورَ المسلمين تأصَّلت في ولايةِ أراكان , سنرجعُ معكم مئاتِ السنينَ إلى الوراء , خلالَ فترةِ مابينَ القرنين الثامنِ والتاسع الميلاديين , حيثُ شهدت تلكَ الحقبة زيادةً في الهجرات الجماعية من قبلِ المسلمين إلى ولايةِ أراكان , و كانت الهجرات الأولى إلى تلكَ الولاية من قبلِ البحارةِ والتجارِ العرب الذين استقرُّوا في المنطقة, تبعهم بعدَ ذلك في القرونِ اللاحقة المغول والأتراك والبنغاليين, واستمرَّت الهجراتُ ولم تهدأ


وفي عامِ ألفٍ وثمانمئةٍ وأربعةٍ وعشرين. خلالَ فترةِ الاستعمارِ البريطاني
وحتى سنواتِ الاستقلالِ الأولى , وبعدَ تقليب صفحاتِ التاريخ, وجدنا أنَّ المؤرِّخين وثّقوا المكانةَ المرموقة والشعبية الكبيرة للمسلمينَ ضمنَ المجتمعِ البورمي خلال تلكَ الفترة, حيثُ كانوا يشغلونَ مناصبَ رفيعةً في الحكومةِ والمجتمع, وكانوا أيضاً في طليعةِ من كافحوا من أجلِ استقلالِ بورما عن الحكمِ البريطاني ..وعلى الرغمِ من كلِّ ذلك , لم يمنع الحقدُ الأعمى الأكثريةَ البوذية من الاستمرار بظلمهم واضطهادهم
, ولم يقلِّلوا من وتيرةِ المجازر المرتكبةِ بحقهم , كلُّ ذلكَ التاريخِ والإثباتات على كونِ المسلمين من السكانِ الأصليين لآراكان لم يمنع البوذيين من اعتبارِهم أجانب , بل صنّفوهم كغرباءَ يعيشون بشكلٍ غيرِ قانوني في الدولة , وبحجة ذلك تعرََّض المسلمون لمذبحةٍ شنيعة عامَ ألفٍ وتسعمئة واثنينِ وأربعين , بعدَ حصولِ البوذيين على الأسلحة والإمداد من قبلِ البورمان
حيثُ قتلوا أكثرَ من مائةِ ألفِ مسلم, أغلبُهم من النساءِ والشيوخِ والأطفال ، وشرَّدوا مئاتِ الآلافِ إلى البلدان المجاورة ، ومن شدةِ قسوةِ تلكَ المجزرةِ وفظاعتها لا يزال كبارُ السن يذكرونَ مآسيها حتى يومنا هذا .
وفي ظلِّ هذه الأحداث ووضعِ المسلمين المتأزمِ , امتدَّت المجازرُ بحقِّ المسلمينَ ووصلت إلى رقعةٍ واسعةٍ من دولةِ بورما
و في عامُ ألفٍ وتسعمئةٍ واثنينِ وستين , بعدَ أن استولى الزعيمُ البوذي والذي يدعى (ني وين ) حكمَ البلادَ , ازدادت الأمورُ تعقيداً, وبدأت سياسةُ طردِ المسلمين من الحكومةِ والجيش, على الرغمِ من عدمِ وجودِ أيِّ قانونٍ ينصُّ على شرعيّةِ طردِهم من الدوائر الحكومية أو القواتِ المسلحة البورمية, إلا أنَّ ذلكَ ماحصل !!!!
وكانَ استلامُ ني وين حكمَ دولةِ بورما بدايةً لمأساةٍ حقيقية للمسلمين في بورما بشكلٍ عام, وفي آراكان بشكلٍ خاص, حيثُ أنَّ الحكومة أصبحت داعمةً للمتطرفين البوذيين بشكلٍ كامل, مايضفي شرعيةً كاملةً لهم في ارتكابِ تلك المجازرِ البشعة , فكما هو حالُ الطغاة عندما يحكمون البلاد , لا بدََّ من تقديم الديانة الرئيسية للحاكم على سائرِ الأديان الأخرى , فالزعيمُ الجديد لدولةِ بورما بدأ بفرضِ الديانة البوذية في إقليمِه, واعتبرها ممارسةً ضرورية على جميعِ الفئاتِ, على الرِّغمِ من عدمِ وجودِ شرطٍ خاص أو دينٍ رسمي في بورما يُفرضُ على الشعب , إلا أن هذا ديدنُ الطغاة عندما يستلمون البلاد , لابدَّ لهم من فرضِ شروطهم وحكمِ الشعبِ بمنطقٍ استبدادي !!!


وبالنسبة لوسائلِ الإعلام الداخلية , ومن يسألُ عن دورها فيما يجري من انتهاكاتٍ بحقِّ المسلمين في آراكان , يأتيهِ الجوابُ أنَّ ﺳﺎﺋﻞَ ﺍﻹﻋﻼﻡ بحكمِ الضرورة قد ظلَّت تحتَ سيطرةِ الحكومة, حيثُ أصبحَ الإعلامُ مسخّراً لمصالحِها , و مشهدُ القادةِ العسكريين والوزراء وهم يكرمونَ الرهبانَ البوذيين ويقدمون لهم التبرعات, قد طغى على جميعِ الأحداثِ الأُخرى, وتنظيمُ التبرعاتِ قسراً لجمعِ المال وبناءِ وتجديدِ المزاراتِ البوذية أصبحَ أمراً لا مفرَّ منه بالنسبةِ لمسلمي بورما, على الرّغمِ من أنَّهم يواجهُونَ صعوباتٍ جمَّة في الحصولِ على أدنى تصريح لهم , سواءٌ لبناءِ مسجد, أو جلبِ مصاحفَ وكتباً دينية, كأنَّهم أصبحوا عبيداً مسخّرين لخدمةِ البوذيين, ليسَ ذلكَ فقط, بل كشفت مصادرُ مطَّلعة عن تقاريرَ خلالَ السنواتِ العشرِ الماضية, تثبتُ تورُّطَ البوذيين في هدمِ منازلَ وتشريدِ أهلِها و تدميرِ عدّةِ مساجدَ وتشييدِ معابدَ بوذيةٍ مكانها ..


ومع أنَّ وصولنا إلى القرنِ الواحدِ والعشرين يعتبرُ بمثابةِ نقلةٍ نوعيّة في مجالِ الإعلام, في ظلِّ توافرِ الوسائلِ الحديثة لنقلِ مجرياتِ الواقعِ على الأرض, لم تنقشع الغمامةُ السوداءُ عن البلاد,
فالسلطاتُ تفرضُ قيوداً صارمة على الدُّخولِ إلى المنطقة, وتمنعُ الصحفيين من الوصولِ إليها

لذلكَ استمرَّت الحكومةُ باتنهاجِ سياستِها القمعيَّة, وامتدّت هذهِ المجازرُ حتَّى وقتنا الحاضر, بحكم أنَّ وضعَ الحكومةِ السَّائدِ ونظامِها لم يتغيَّرا , وفي عامِ ألفين واثني عشر , في ظلِّ حكمِ الدكتاتور ثين سين, شنَّت وسائلُ الإعلام التابعةُ للنظام الحاكم حرباً إعلاميةً ضدَّ الإسلامِ في بورما , أدى ذلك لزيادةِ الاحتقانَ ضدَّ المسلمين في عمومِ البلاد , حيثُُ بدأت وسائلُ الإعلام بتزويرِ الحقائق وبثِّ الإشاعات بحقِّهم, و أنَّهم وراءَ أعمالِ القتلِ والفسادِ في بورما!!, ما زادَ من عملياتِ هدمِ المساجدِ وتخريبِ منازلِ المسلمين, وإرغامِ أكثرِ من ثلاثينَ ألفاً من سكانِ أراكان على النزوحِ من بيوتهم, وتدميرِ مايقاربُ الألفي منزل, وحسبَ تقاريرَ رسمية بلغَ عددُ القتلى أكثرَ من خمسين مسلماً, كلُّ ذلكَ دفعَ الدكتاتور حاكمِ بورما ثين سين إلى فرضِ حالةِ الطوارئ, دون أدنى محاسبةٍ لمن قام بهذه الأعمالِ الشنيعة بحقِّ المسلمين, حيثُ جاءت حالةُ الطوارئ فقط للتستر على الأعمالِ الإجراميَّة التي قامَ بها البوذيون
و هذا الإعلام المسخّرِ بيدِ الحكومةِ البورميَّة, لم يكن لينقلَ لنا الصّورةَ الواضحة عمَّا يحصلُ داخلَ البلاد, , إلا أنَّ منظَّمةَ هيومان رايتس ووتش كشفت في الآونة الأخيرة عن صورٍ للأقمارِ الصناعيةِ عاليةِ الدقَّة, لقرى يقطنها مسلمو الروهينغيا في بورما, أظهرت الصورُ دمارَ مالايقلُّ عن ثمانمئةٍ وعشرينَ منزلاً في شهرِ نوفمبر من هذا العام, ولعلَّ ماتكشفهُ الأقمارُ الصناعية يُظهرُ لنا حجمَ الدمار, إلَّا أنَّ المجازرَ وعملياتِ النهب والاغتصاب بحقِّ مسلمي الروهينغيا تظلُّ غائبةً عن الأنظار, سوى مايردُ من تسريباتٍ لمسلمينَ كانوا داخلَ تلكَ البلاد , ليرووا قصصهم للعالمِ الإسلامي؛ ويبيِّنوا ما يَحصلُ في بلادهم, ونُوردُ لكم ما قامَ بتوثيقهِ بعضُ النشطاء الذينَ كانوا داخلَ بورما, في الرابعِ من شهرِ يونيو عامَ ألفين واثني عشر, بعدَ أن حاصرَ ثلاثمةٍ من البوذيين الراخان, حافلةً محملةً بعشرةِ ركابٍ عائدين من رحلةِ العمرة, فانهالوا عليهم بالضربِ حتى قتلوهم جميعاً بعدَ اتِّهامهم زوراً بالوقوفِ وراءَ مقتلِ شابّةٍ بوذية, ومن ضمنِ المسافرين كانت امرأةٌ مسلمة, قاموا باغتصابها ثُمَّ قتلها, حتَّى أنَّهم أوقدوا النيران في أجسادِهم الطاهرة, دونَ أيِّ رحمةٍ في قلوبهم

يذكرُ أنََّ منظماتٍ إسلامية ذكرت أنَّ عددَ السكانِ المسلمين في بورما, لا يقلُّ عن ثمانيةِ ملايينِ نسمة, إلَّا أنَّ استلام َالطغاةِ حُكمَ البلاد شوَّهَ الحقائق , فذكروا أنَّهم قلةٌ جاءت من الخارجِ, لاتبلغُ نسبتهم أكثرَ من ثمانمئةِ ألفِ, ولكنَّ تلك الإدِّعاءات عاريةٌ عن الصحِّة, وما ذلكَ إلا لحقدهم على المسلمين ...

ولمن يسألُ أينَ الضميرُ العالمي مما يحدث ؟؟

فالجوابُ, أنَّ الضَّميرَ الإنساني في القرنِ الواحدِ والعشرين, إذا اشتدَّت عليهِ مغمَّة, لا يقتصرُ سوى على الشجبِ أو الاستنكارِ أو القلق !!!!

2017/03/11
مشاهدة واحدة
عاجل
لمتابعة أخبار نداء الإسلام: