بين القوة والمبادئ

كثيرة هي الثورات التي أجهضت وأخرها كانت بعض ثورات الربيع العربي، وإذا رجعنا مئتي سنة إلى الوراء فإننا نلاحظ ذلك وخصوصاً في أوروبا فالثورة الفرنسية أجهضت لتعود دكتاتورية نابليون لتحكم من جديد ,وما يسمى بالثورة البلشفية التي طالبت بالعدالة الاجتماعية تحولت على يد مؤسسيها إلى مفرخة خرجت أقسى دكتاتوريات القرن العشرين، تنشر ألحد الأفكار وبأشد الطرق دموية، وما الدكتاتوريات العربية التي ظهرت منذ منتصف القرن الماضي إلا ثمرة لهذه الثورة، وللثورة المضادة التي تبنت أفكارها وفرضتها.
ولسنا هنا في معرض مناقشة فساد أفكار تلك الثورات من صلاحها، ولكن القاسم المشترك بين كل هذه الثورات بفاسدها وصالحها هو سيطرة صاحب القوة عليها في النهاية، ولكن لماذا تثور الشعوب وتبذل دماءها ثم تصبح مبادئ ثورتها مطية وستارة يركبها ويستتر بها أصحاب القوة والسلطان.
ويرى البعض أن طبيعة السياسة مبنية على المصالح وهؤلاء يتذرعون بقاعدة (السياسة نجاسة) لكي يبرروا التصرفات السياسية القذرة والتي لا تراعي أي مبادئ أو أخلاق، ولذلك ترى الكثير من أهل الصلاح يعتزلون السياسة ومجالات الحكم على أهليتهم الدنيوية والأخلاقية لهذا المعترك.
وهنا تكمن المشكلة بل الطامة الكبرى التي أدت لوضع شديد السوء حتى على المستوى الإسلامي، ولنتخيل أن عبد الرحمن الناصر تورع عن قيادة الأندلس في فترة أجمع المؤرخون أنها كادت تسقط فيها تورعاً من ألا يسفك دماء المتمردين، ولنتخيل أن أجداده من خلفاء بني أمية العظام تورعوا عن قطع دابر كل فتنة هددت وحدة الأمة، ولنتخيل أن عماد الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي تورعا عن توحيد الأمة وقتال الأمراء المتفرقين الذين أسس كل منهم دولة في مدينة أو قلعة والصليبيون يستبيحون أرض المسلمين ولنتخيل أن قطز تورع عن خلع ذلك ابن ايبك الصغير عن سلطنة مصر ولم يتصدر لمواجهة التتر، ولنتخيل أن السلطان سليم الأول تورع عن قتال المماليك لتوحيد الأمة وإنشاء دولة واحدة قوية تحكم كل أو جل بلاد المسلمين.
ولنعد أيضاً لأورع الناس وأكثرهم زهداً بالدنيا (صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم) فهل أبعدهم زهدهم عن إدارة الدولة وحمل السيوف والجهاد أم أنه حملهم لتحمل مسؤولية الدولة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم، ولنتخيل قبل كل شيء لو أن أفضل رجل في أمة الإسلام بعد الأنبياء سيدنا أبو بكر تورع عن قتال المرتدين وردهم بالسيف لحظيرة الإسلام.
فالإسلام دين واقعي لا يطالب الإنسان بأمور ملائكية من الخيال بل يعامل الطبيعة البشرية كما هي بمحاسنها ومساوئها فكان الورع والزهد لدى أخيار الأمة زهداً إيجابياً مبنياً على مصلحة الأمة فهم مدركون أن معترك السياسة معترك محفوف بالفتن ولا يجوز تركه لأهل الأهواء ولضعاف النفوس، وهذا فعلاً ما حصل في هذه الأيام فعندما ترك أهل الصلاح معترك السياسة أصبحت نهباً لأهل الأطماع وأصبح من الواقع أن السياسة نجاسة لأنها ترُكت لمن لا يرعى حق الله فيها.
ومن ناحية أخرى يجب أن لا تُغفل أهمية التربية الإسلامية التي يجب أن تتطبع بها كافة مجالات التعليم فهي التي ستؤمن وجود أشخاص على شاكلة عظماء الأمة السابقين الذين وسيعيدون للأمة مجدها وسيلغون تلك القاعدة الفاسدة عن نجاسة السياسة ووقتها أيضاً ستثور شعوبنا ضد أي طغيان ولديها من القادة والسياسيين الذين من سيحميها ويوجهها في مسارها الصحيح فلا يمنون الشعوب بأحلام وردية غير قابلة للتحقيق، ولا يسلبونهم أبسط حقوقهم بتطبيق المبادئ التي قاتلوا لأجلها.

2017/04/12
17 مشاهدة
عاجل
لمتابعة أخبار نداء الإسلام: