الدفع نحو العنف

نعيش في يومنا هذا في عالم مليء بالدكتاتوريات التي لا هم لها إلا الحفاظ على السلطة وحماية مصالحها ومصالح حاشيتها التي تؤمن لها الاستمرار في السلطة، وقد قدمت لنا هذه الدكتاتوريات تاريخاً مليئاً بالعبر عن كيفية تعاملها مع خصومها وكيفية القضاء عليهم.
ومما لا شك فيه أن هناك أعداءً مربكة للدكتاتوريين أكثر من غيرهم فعندما يطالب الشارع بإسقاط الدكتاتور وليس بإسقاط الدولة يجد الدكتاتور نفسه في موقف محرج، فهو غالباً ما يصور نفسه على أنه لا يريد السلطة ولكنه أرغم عليها بدافع من المسؤولية التي وكله بها شعبه، وعندما يجد أن الشعب لا يريده فهذا الوضع صعب من ناحية إيجاد رواية رسمية لإقناع المؤيدين بها والمشكلة هنا أن الخصم لا زال جزءً من شعب الدكتاتور مطالب رسمياً بحمايته وتأمين الخدمات له بل وأحياناً تقديم الرواتب له والخصم هنا يمكن أن يكون أي شخص توافق مطالب الشارع هواه وهذا يجعل أي شخص مشروع معارض أو خصم وهذا الأمر طبعاً يخضع لقواعد تختلف باختلاف كل بلد وباختلاف أوضاعه وباختلاف قوة وسلطة الدكتاتور فيها.
وعلى النقيض من ذلك فإن الدكتاتور سيجد نفسه في وضع مريح وهو يواجه خصماً مسلحاً اختار الحل غير المعقد فعندما يقرر خصوم الدكتاتور حمل السلاح ضده فهو وإن تكلفت البلاد فاتورة ضخمة بالمال والموارد والبنية التحتية والبشر (التي لا يبالي بها) سيكون مرتاحاً من الناحية الرسمية والقانونية فتهمة الإرهاب والخروج عن سلطة الدولة (لا سلطة الدكتاتور) تمكنه من قطع دابر أي مؤيد لأي حراك ضده وسيؤدي إلى تمايز واضح في الصفوف فمؤيدو الدكتاتور سيبقون معه وسيتوجه خصومه نحو الجبهة الأخرى وهكذا سيؤمن الجبهة الداخلية، وعندها سيتمكن من إعطاء الشعب الخيار الشهير الممثل بـ( إما حكمي أو الدمار والموت والجوع والتشرد) وسيعطي لنفسه الحق بصب كامل قوته دون رحمة أو تهاون ضد خصومه ودون أن يميز بين مقاتل أو مسالم وبين شاب أو كهل أو رجل أو امرأة ليحقق أوضح صورة للتخيير الشهير المذكور أنفاً , كما ويستغلها لقمع أي معارض له حتى ولو لم يشارك في الحراك المسلح أو السلمي ضده وأحداث حماة خير شاهد على هذا النوع فبحجة التحرك المسلح الذي قام به الإخوان المسلمون في الثمانينات زج الأسد بآلاف المعارضين من الإخوان وغيرهم وأجبر الباقين على السكوت وفرض المزيد من القمع والاستبداد على الشعب السوري.
وطبعاً لا يلجأ الخصوم إلى حمل السلاح دائماً ولذلك يلجأ الدكتاتور لدفعهم إليه دفعاً برفع جرعة القتل والقمع والتضييق إلى درجة لا يمكن لذي نخوة أو شرف أو كرامة تحملها أو بغض النظر عن إمدادات صغيرة من السلاح التي يستوردها خصومه أو بإخراج شخصيات معروفة بتأييدها للحلول العسكرية وخاصة تلك التي تحمل فكر الغلو والتي يحتفظ بها النظام عنده لمثل هذه الأوقات بإخراجها من السجون إذا كانت مسجونة و غض الطرف عن تحركاتها التي بالتأكيد ستؤدي إلى تحرك مسلح ينتظره الدكتاتور بتشوق ، وطبعاً تتزامن هذه التحركات الاستخباراتية والأمنية بتحركات إعلامية تروج لحمل السلاح وتتهم حتى من لا يحمل السلاح بالإرهاب والعمالة والسعي لهدم الدولة، فينقسم الشعب إلى قسمين من ناحية الجو العام شعب لا يصدق الدكتاتور ويميل لإسقاطه بالسلاح وشعب يصدقه أو يريد أن يصدقه فيسكت أو يؤيد الدكتاتور ويصدق روايته ويتجاهل الحقيقة التي أمام عينيه طمعاً بقليل حياة.
ومما لا شك فيه أن الدكتاتور هنا يلعب لعبة أشبه بالروليت الروسي فهو في هذه الحالة كمن يمسك المسدس ذي طلقة واحدة إن لم تقتل خصمه ستقتله بالتأكيد، ودرجة المخاطرة طبعاً تعتمد على المعارضة بشكل كبير فكلما كانت هذه المعارضة قوية ومنظمة وموحدة سياسياً وعسكرياً تعرف كيف تسحب البساط من تحت الدكتاتور وتستجلب لنفسها الدعم والتعاطف من الجميع وتبعدهما عن الدكتاتور كلما زادت نسبة نهاية اللعبة لصالحها وهذا ما يعني الموت بالنسبة للدكتاتور وكلما كانت ضعيفة ومشتتة سهل على الدكتاتور اختراقها والانتصار عليها وسيتمكن بعدها من جعل هذه المعركة شماعة يعلق عليها العشرات من الملفات والقضايا والفساد والتدهور الاقتصادي بالإضافة لزيادة قوة القبضة الأمنية على البلاد ففي هذه اللعبة لامجال للتراجع إما منتصر يفرض أفكاره أو مقتول لا يجرؤ أحد على التشفع له.
محمد عادل

2017/03/07
155 مشاهدة
عاجل
لمتابعة أخبار نداء الإسلام: